القرطبي

354

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الأولى - قوله تعالى : ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ) " ما " و " زينة " مفعولان . والزينة كل ما على وجه الأرض ، فهو عموم لأنه دال على بارئه . وقال ابن جبير عن ابن عباس : أراد بالزينة الرجال ، قال مجاهد . وروى عكرمة عن ابن عباس أن الزينة الخلفاء والامراء . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قول تعالى : " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها " قال : العلماء زينة الأرض . وقالت فرقة : أراد النعم والملابس والثمار والخضرة والمياه ، ونحو هذا مما فيه زينة ، ولم يدخل فيه الجبال الصم وكل ما لا زينة فيه كالحيات والعقارب . والقول بالعموم أولى ، وأن كل ما على الأرض فيه زينة من جهة خلقه وصنعه وإحكامه . والآية بسط في التسلية ، أي لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها فإنا إنما جعلنا ذلك امتحانا واختبارا لأهلها ، فمنهم من يتدبر ويؤمن ، ومنهم من يكفر ، ثم يوم القيامة بين أيديهم فلا يعظمن عليك كفرهم فإنا نجازيهم . الثانية - معنى هذه الآية ينظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الدنيا خضرة حلوة والله مستخلفكم فيها فينظر ( 1 ) كيف تعملون " . وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا " قال : وما زهرة الدنيا ؟ قال : " بركات الأرض " خرجهما مسلم وغير من حديث أبي سعيد الخدري . والمعنى : أن الدنيا مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها كالثمر المستحلى المعجب المرأى ، فابتلى الله بها عباده لينظر أيهم أحسن عملا . أي من أزهد فيها وأترك لها ، ولا سبيل للعباد إلى بغضة ما زينة الله إلا [ أن ] يعينه على ذلك . ولهذا كان عمر يقول فيما ذكر البخاري : اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا ، اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه . فدعا الله أن يعينه على إنفاقه في حقه . وهذا معنى قوله عليه السلام : " فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع " . وهكذا هو المكثر من الدنيا لا يقنع بما يحصل له منها بل همته جمعها ، وذلك لعدم الفهم عن الله تعالى ورسوله ، فإن الفتنة معها حاصلة وعدم السلامة غالبة ، وقد أفلح من أسلم ورزق كفافا وأقنعه

--> ( 1 ) الحديث كما في كشف الخفا : " الدنيا خضرة . . . فناظر كيف . . . " رواه مسلم . ( 2 ) أي يتطلع إليه وطمع فيه .